ورقة تحليلية - الأبعاد الجيوسياسية للحرب التجارية الجديدة: إعادة رسم خارطة الاقتصاد العالمي
- Nov 12, 2025
- 16 min read
Updated: Nov 20, 2025
الكتاب: محمد الكوخي
باحث رئيسي
الملخص باللغة العربية
في ولايته الثانية، يواجه الرئيس ترامب تحديات مالية كبيرة، مثل تمويل الحكومة، إدارة الدين العام، وتمديد التخفيضات الضريبية التي أُقرت عام 2017، وذلك في ظل وصول الدين الوطني إلى مستويات قياسية. وبسبب استنفاد أدوات السياسات المالية والنقدية منذ جائحة كوفيد-19، اعتمدت الإدارة على الرسوم الجمركية كأداة رئيسية لإعادة هيكلة الاقتصاد.
تهدف هذه الاستراتيجية إلى إعادة التصنيع إلى داخل الولايات المتحدة، تقليص العجز التجاري، وتحفيز النمو الاقتصادي. كما تسعى إلى فرض ضغوط على الاقتصادات المنافسة، خاصة الصين، بطريقة تشبه اتفاق بلازا لعام1985. تتناول هذه الورقة محاولة ترامب استخدام السياسة التجارية لإعادة تشكيل النظام الاقتصادي العالمي بما يخدم المصالح الأمريكية، ومعالجة الاختلالات الهيكلية العميقة في الاقتصاد الأمريكي.
English Abstract
President Trump's second term confronts critical fiscal challenges including government funding, sovereign debt management, and extending 2017 tax cuts amid record-high national debt. With fiscal and monetary policy tools largely exhausted since the COVID-19 pandemic, the administration has turned to tariffs as its primary instrument for economic restructuring. This strategy seeks to reshore manufacturing, reduce trade deficits, and stimulate growth while potentially imposing a contemporary equivalent of the 1985 Plaza Accord on competing economies, particularly China. This paper examines Trump's attempt to leverage trade policy to restructure the global economic order in favour of American interests and address fundamental structural imbalances in the U.S. economy.
Resúmen en español
El segundo mandato del presidente Trump afronta desafíos fiscales críticos, entre ellos la financiación del gobierno, la gestión de la deuda soberana y la extensión de los recortes fiscales de 2017 en un contexto de deuda nacional en máximos históricos.
Dado que las herramientas de política fiscal y monetaria se encuentran en gran medida agotadas desde la pandemia de la COVID-19, la administración ha recurrido a los aranceles como su principal instrumento de reestructuración económica. Esta estrategia pretende relocalizar la producción manufacturera, reducir los déficits comerciales y estimular el crecimiento, al tiempo que potencialmente impone a las economías competidoras —en particular China— un equivalente contemporáneo del Acuerdo del Plaza de 1985.
Este artículo examina el intento de Trump de utilizar la política comercial para reestructurar el orden económico global en favor de los intereses estadounidenses y hacer frente a los desequilibrios estructurales fundamentales de la economía de Estados Unidos.
جذور الأزمة العميقة في الاقتصاد الأمريكي
أزمة الدين العام الأمريكي
تجاوزت قيمة الدين العام العالمي 100 تريليون دولار بنهاية عام 2024، وفقًا لصندوق النقد الدولي، وهو أعلى من القيمة الإجمالية للأموال المسجلة عالميًا المقدرة بـ 80 تريليون دولار، وتشكل ديون الولايات المتحدة الجزء الأكبر من هذه الديون، حيث بلغت أزيد من 36 تريليون دولار في عام 2024، أي ما يعادل 34.6 % من الإجمالي العالمي، استنادًا إلى بيانات وزارة الخزانة الأميركية. [1]
وعلى الرغم من تحذير وزيرة الخزانة الأميركية السابقة جانيت يلين في العام 2023، من مخاطر استمرار ارتفاع الديون، إلا أن حكومة الرئيس السابق جو بايدن قررت مواصلة الاقتراض في ظل تصاعد الانفاق العسكري والمساعدات الموجهة نحو الحرب في أوكرانيا.
وظلت الولايات المتحدة خلال العقد الماضي تصل إلى ما يعرف بـأزمة "سقف الدين" عدة مرات، كان آخرها عام 2013. وسقف الدين هو الحد الأقصى للمبلغ الذي يمكن للحكومة الأميركية اقتراضه للوفاء بالتزاماتها المالية. وعند وصول الديون لهذا الحد، لا يمكن لوزارة الخزانة إصدار ديون إضافية للوفاء بالتزاماتها المالية دون موافقة الكونغرس على رفع سقف الدين أو تعليقه.
وإذا لم ترفع الولايات المتحدة سقف الدين، فستبدأ الحكومة في التخلف عن سداد ديونها في وقتٍ ما بين أوائل شهر يوليو وأوائل سبتمبر. وفي هذه الحالة سيتعين على وزارة الخزانة إما أن تتخلف عن سداد مدفوعات حاملي السندات، وإما أن تقلص على الفور سداد الأموال المستحقة للعديد من الشركات والأفراد الذين جرى تفويضهم ولكن لم يتم تمويلهم بالكامل من قبل الكونغرس. ومن المتوقع أن تؤدي كلتا الحالتين إلى انهيار اقتصادي عالمي. فضلًا عن ذلك, إذا كانت الحكومة الفيدرالية لن تكون قادرة على إصدار سندات ديون جديدة، فستضطر إلى فرض تخفيضاتٍ في الميزانية، والتي ستعادل في المجموع 5 % من حجم الاقتصاد الأمريكي.
وظل سقف الدين العام الأمريكي يرتفع بشكل مطرد منذ عقد الثمانينات، ليصل مستويات قياسية نسبة إلى الناتج المحلي الاجمالي، حيث بلغت نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي 40 % في الثمانينيات، وفي التسعينيات 60 %، وفي العقد الأول من القرن الحادي والعشرين وصلت إلى 100 %، أما الآن، فقد بلغت النسبة 120 %، ويتوقع مكتب الميزانية بالكونغرس أن تصل إلى 166 % بحلول العام 2025.
ونظرا لأن المستثمرين في جميع أنحاء العالم ينظرون إلى ديون الحكومة الأميركية على أنها أصول آمنة، فإن إخفاق الولايات المتحدة في دفع الفائدة على ديونها في الوقت المحدد قد يكون له تداعيات هائلة على الاقتصاد العالمي. وإذا بدت سندات الخزانة الأميركية محفوفة بالمخاطر وأدت إلى عمليات بيع كبيرة، فقد تنتشر الفوضى في الأسواق المالية العالمية.
ويعتبر الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب قضية الدين العام الأميركي هي القضية الهامة والحاسمة في تحديد مصير الولايات المتحدة على المدى البعيد. وقد اختار رجل الأعمال إيلون ماسك، أغنى رجل في العالم حاليًا والمقرب من ترامب، ليتولى منصبًا مستحدثًا لأول مرة في الحكومة الفدرالية الأميركية (إدارة الكفاءة الحكومية DOGE) لتحقيق أهداف تقليص العجز في الموازنة الأميركية، ومن ثم تقليص الدين العام الأميركي. [2] وحذّر إيلون ماسك من أن خدمة الدين الأميركي (الفوائد على الدين) ستبلغ حوالي تريليون دولار أميركي سنويًا، بما يمثّل حوالي ربع الميزانية العامة الأميركية. [3]
وظل إيلون ماسك يحذر باستمرار من "قنبلة الدين العام"، بعد الارتفاع الجنوني لسقف الدين العام عقب أزمة وباء كورونا، وخطط الإنقاذ الاقتصادية التي جرى تطبيقها لمواجهة آثار الجائحة. وفي حين ساهمت هذه الإجراءات في التخفيف من الآثار الاقتصادية المباشرة، إلا أنها أدت أيضًا إلى تسريع التضخم، مما دفع الاحتياطي الفيدرالي إلى تطبيق زيادات كبيرة في أسعار الفائدة. وقد خلقت هذه الآثار مجتمعةً تحديات مالية طويلة الأجل، مما ساهم في خلق "سيناريو كابوس" للاحتياطي الفيدرالي، الذي يتعين عليه الآن التوفيق بين إدارة التضخم، ومواجهة ارتفاع تكاليف الدين العام الأمريكي. [4]
أزمة العجز التجاري الأمريكي
منذ فترة ولايته الأولى، جعل الرئيس دونالد ترامب من خفض العجز التجاري الأمريكي، الذي توسع بشكل كبير في العقود الأخيرة، أولوية أساسية لإدارته، ويحدث العجز التجاري عندما تستورد دولة ما أكثر مما تصدر إلى الخارج.
وظل الرئيس ترامب ومستشاروه يصرحون أن إعادة التفاوض على الاتفاقيات التجارية، والترويج لسياسات "شراء المنتجات الأميركية"، ومواجهة الصين بشأن ما يرون أنه ممارسات اقتصادية سيئة، من شأنه أن يؤدي إلى تقليص العجز التجاري، وخلق فرص العمل، وتعزيز الأمن القومي الأمريكي.
وسجل الميزان التجاري للولايات المتحدة عجزًا كبيرًا منذ أواخر التسعينيات، لا سيما مع الصين ودول آسيوية أخرى. وقد رافق ذلك انخفاض نسبي في معدل الادخار الأمريكي، وارتفاع في مستويات الدين الحكومي، ومستوى ديون الشركات الخاصة أيضا.
وتعود بدايات هذا العجز التجاري الأمريكي إلى بداية السبعينات مع "صدمة نيكسون"، وهي سلسلة من التدابير الاقتصادية التي قام بها الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون عام 1971 لإنقاذ الدولار الأمريكي من الانهيار، وأهمها إلغاء قاعدة التحويل المباشر للدولار إلى الذهب، وتعويم الدولار (ربط الدولار بالعرض والطلب بدل سعر صرف ثابت مقابل الذهب). وكان ذلك نهاية نظام بريتون وودز الذي تأسس نهاية الحرب العالمية الثانية، لوضع قواعد النظام الاقتصادي والمالي العالمي.
وقبل تلك الفترة ظلت الولايات المتحدة، تحافظ على فائض تجاري مع بقية العالم خاصة وأنها كانت تتبع سياسة حمائية فعالة مع تعريفات جمركية عالية لحماية سوقها الداخلية ومنتجيها من المنافسة الأجنبية.
وتُشكّل الخدمات، كالسياحة والملكية الفكرية والتمويل، ما يقارب ثلث الصادرات الأمريكية، بينما تشمل السلع الرئيسية المُصدّرة الطائرات والمعدات الطبية والنفط المُكرّر والسلع الزراعية. في حين، تُهيمن السلع الرأسمالية، كالحواسيب ومعدات الاتصالات، والسلع الاستهلاكية، كالملابس والأجهزة الإلكترونية والسيارات، والنفط الخام، على الواردات الأمريكية.
ويعد الميزان التجاري جزءً من المقياس الأوسع لمعاملات الاقتصاد الأمريكي مع بقية العالم، والمعروف باسم ميزان المدفوعات. ويتكون ميزان المدفوعات من الميزان التجاري، أو الحساب الجاري، والحسابات المالية، أو مقاييس مشتريات الولايات المتحدة ومبيعاتها من الأصول الأجنبية. وتشمل الحسابات المالية الأصول المالية، مثل الأسهم والسندات، بالإضافة إلى الاستثمار الأجنبي المباشر.
وعادةً ما تكون هذه الحسابات متوازنة، لأن عجز الحساب الجاري - العجز التجاري - يؤدي إلى فائض في الحساب المالي مع تدفق رأس المال والاستثمار الأجنبي إلى البلاد. ومنذ أوائل ثمانينيات القرن العشرين، ظلت الولايات المتحدة تعاني من عجز مستمر في ميزان المدفوعات.
ويستمر الجدل في الولايات المتحدة منذ فترة، حول أسباب هذا العجز التجاري وآثاره، وطبيعة الإجراءات اللازمة لمواجهته، بين أنصار العولمة والسوق الحرة وأنصار الحمائية التجارية وشعارات "أمريكا أولا". وتحول هذا الجدل إلى شبه انقسام سياسي بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي، طوال السنوات الماضية، خاصة مع وصول الرئيس ترامب إلى البيت الأبيض في العام 2017، وبدئه للحرب التجارية مع الصين في العام الموالي 2018.
الفقاعة المالية وشبح التضخم
وإلى جانب أزمتي الدين العام والعجز التجاري، تواجه الولايات المتحدة تحديًا ثالثًا لا يقل خطورة، يتمثل في الفقاعة المالية وشبح التضخم. بعد انحسار جائحة كورونا، دخل الاقتصاد العالمي في موجة من التضخم وارتفاع الأسعار، نتيجة السياسات المالية التساهلية، وحزم الإنقاذ المالية الضخمة، التي أقرتها البنوك المركزية في الاقتصادات المتقدمة (الاحتياطي الفدرالي، والبنك المركزي الأوروبي)، لمنع الأسواق المالية من الانهيار عام 2020، في الوقت الذي عانى فيه الاقتصاد الحقيقي من تبعات سياسات الاغلاق لمكافحة جائحة كورونا. وهو ما أدى إلى تراجع النشاط الاقتصادي (الركود)، مع نشوء "فقاعة أسعار عالمية" (التضخم).
هكذا دخل الاقتصاد العالمي في حالة نادرة تعرف بـ"التضخم المصحوب بالركود" (Stagflation)، أي وجود حالة غير طبيعية من ارتفاع الأسعار (التضخم)، مصحوبة بتراجع النشاط الاقتصادي (الركود) وارتفاع معدلات البطالة. وتمثل هذه الحالة معضلة حقيقية للسياسات الاقتصادية، حيث تضع صانعي السياسات في وضعية صعبة للغاية، ذلك لأن الإجراءات التي تهدف إلى خفض التضخم قد تؤدي إلى تفاقم البطالة والركود الاقتصادي، والعكس صحيح، حيث إن الإجراءات التي تهدف إلى إنعاش الاقتصاد وخفض البطالة تؤدي لمزيد من التضخم وغلاء الأسعار.
وخلال السنوات الثلاث الماضية، ظل النقاش الدائر بين الخبراء الاقتصاديين يتمحور حول مدى سوء حالة الاقتصاد العالمي، والفترة الزمنية التي يمكن أن تستمر فيها هذه الوضعية من التضخم المصحوب بالركود. ويرى عدد من الخبراء الاقتصاديين في عدد من البنوك المركزية الكبيرة (الاحتياطي الفدرالي والمركزي الأوروبي) أن هذه الحالة مؤقتة ومرتبطة أساسا بسياسات الاغلاق المؤقتة لمواجهة الجائحة، وأن الأمور ستعود سريعا لحالتها الطبيعية مع عودة النمو الاقتصادي ورفع أسعار الفائدة. [5]
في حين يرى آخرون أن هذه الوضعية من التضخم والركود ستستمر على المدى المتوسط، لأنها ليست مشكلة متعلقة بالسياسات المالية والنقدية كما يعتقد الفريق السابق، وإنما هي مسألة متعلقة بالاقتصاد السياسي، وتعود جذورها إلى ما قبل الجائحة، مع تراجع الإنتاجية على المدى الطويل حتى قبل الجائحة، وتراجع التجارة الدولية منذ عدة سنوات، وارتفاع معدلات البطالة منذ سنوات، واستمرار السياسات المالية والنقدية قصيرة النظر والخاطئة في تعميق أزمة الاقتصاد العالمي وصناعة فقاعات أسعار تضخمية، بدل حل المشاكل الهيكلية في الاقتصاد العالمي، ما يجعل العالم يعود إلى وضعية مشابهة لتلك التي عاشها خلال فترة السبعينات من القرن الماضي. [6]
ويبدو أن صانعي القرار في الاقتصادات الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة، يعانون من معضلة سياسية واقتصادية حادة لا حل لها: فإذا اختارت البنوك المركزية الكبيرة (الاحتياطي الفيدرالي أو البنك المركزي الأوروبي) رفع أسعار الفائدة وتقليص برنامجها لشراء السندات، فإنها تخاطر بتفجير "الفقاعة المالية" والتي قد تعصف بالنظام المالي الأمريكي والعالمي كله، بوتيرة أسوأ بكثير مما حصل في الأزمة المالية عام 2008. ومن ناحية أخرى، إذا لم يقم الاحتياطي الفيدرالي برفع أسعار الفائدة، فإنه يخاطر بالسماح لتضخم الأسعار بالارتفاع لأرقام غير مسبوقة. وهذا بدوره قد يسرع عملية الانهيار ويجعلها أكثر إيلاما وصعوبة لتجاوزها، حيث لن تنفع معها السياسات المالية المتبعة حاليا بعد أن انتهى مفعولها.
وتضع هذه المعادلة الحساسة إدارة الرئيس ترامب في وضعية صعبة، حيث لا يمكنه الاستمرار في الاعتماد على الأدوات المالية والنقدية لتمرير برنامجه الاقتصادي، خاصة وأن إدارة الرئيس بايدن قد استنفذت كل تلك الأدوات المالية والنقدية ولم يعد بإمكان الاقتصاد الأمريكي الاستمرار في تمويل العجز الكبير في الموازنة العامة عن طريق الاقتراض، ما يهدد الولايات المتحدة بشبح الإفلاس.
العلاج بالصدمة: إعادة رسم خارطة الاقتصاد العالمي
يقترح عدد من الخبراء أن العالم اليوم قد دخل في فترة تاريخية مشابهة لتلك التي عرفها أوائل سبعينات القرن الماضي، بسبب تشابه العوامل والظروف الاقتصادية والسياسية المرتبطة بتلك المرحلة التاريخية، وتشابه شخصية الفاعلين في الحقبتين. [7]
منذ صدمة نيكسون في بداية السبعينات وإلغاء قابلية تحويل الدولار إلى ذهب، بدأت الولايات المتحدة تعاني عجزًا تجاريًا مستمرًا مع بقية دول العالم. كما كانت فترته هي فترة الأزمات الاقتصادية الكبيرة، حيث عرف العالم في تلك الفترة أزمة النفط الأولى عام 1973، والتي أدت إلى تضخم كبير في الأسعار في معظم دول العالم، نتيجة الارتفاع الكبير في أسعار النفط في الأسواق العالمية. كما كانت تلك الفترة هي فترة الانسحاب الأمريكي الكبير من فيتنام، وإعادة رسم الولايات المتحدة لاستراتيجياتها العسكرية والسياسية في العالم، بما في ذلك تطبيع العلاقات مع الصين، ومحاولة عزل واحتواء الاتحاد السوفييتي.
وعرفت تلك الفترة أيضًا سلسلة من الحروب والاضطرابات خاصة في منطقة الشرق الأوسط، كان أبرزها حرب أكتوبر بين مصر وسوريا وإسرائيل عام 1973، والتي رافقتها صدمة النفط الأولى، ثم اندلاع الحرب الأهلية في لبنان عام 1975، والحرب العراقية الإيرانية عام 1979، والتي أعقبتها صدمة النفط الثانية.
وأمام استنفاذ الإدارات الأمريكية السابقة لكل الأدوات المالية والنقدية منذ أزمة جائحة كورونا، أصبحت الخيارات المتاحة أمام إدارة الرئيس ترامب محدودة للغاية، لمواجهة أزمة الدين العام والعجز في الموازنة العامة، في ظل وعوده السابقة بتخفيضات ضريبية كبيرة على الشركات والأفراد. هكذا قرر الرئيس ترامب استخدام السلاح الأخير، سلاح التعريفات الجمركية، لتنفيذ أجندته الاقتصادية.
ويحاول الرئيس ترامب من خلال حربه التجارية الجديدة، خلق ما يشبه "صدمة نيكسون جديدة"، فرض شكل جديد من اتفاق بلازا لعام 1985 (Plaza Accord) التاريخي، على الاقتصادات العالمية المنافسة، وخاصة الصين، في محاولة منه لإعادة رسم خارطة الاقتصاد العالمي، لصالح الولايات المتحدة، وإخراج الاقتصاد الأمريكي من أزمته العميقة.
ففي العام 1985، اجتمع مسؤولون أميركيون مع نظرائهم من بلدان مجموعة الدول الخمس الأخرى في فندق بلازا في مدينة نيويورك للتفاوض على تدخل منسق لخفض قيمة الدولار. ويبدو أن اتفاق بلازا الناجح يشكل
الآن مصدر إلهام لإدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في سعيها لإيجاد طرق لإضعاف الدولار، وهي تأمل في تحسين الميزان التجاري الأميركي.
ويحاول الرئيس ترامب إعادة استنساخ تجربة اتفاق بلازا، من خلال اقتراح التدخل المنسق بين الاقتصادات الكبرى (الولايات المتحدة والصين والاتحاد الأوروبي واليابان) لخفض قيمة الدولار مقابل العملات الأخرى، حيث تتخذ الولايات المتحدة خطوات لخفض العجز في ميزانيتها، وتعمل دول الفوائض الضخمة مثل الصين وألمانيا واليابان على زيادة فوائض ميزانياتها، وبهذا يُـعالَج المحرك الأساسي للاختلالات التجارية الدولية الحالية التي تفاقم من العجز التجاري الأمريكي وأزمة الدين العام في الولايات المتحدة.
ويحاول الرئيس ترامب اليوم فرض شكل جديد من اتفاق بلازا على الاقتصادات العالمية المنافسة، وخاصة الصين، في محاولة منه لإعادة استنساخ نفس التجربة السابقة مع اليابان خصوصا، لكن الصين لا يبدو أنها ستخضع لهذا الأمر بسهولة في ظل غياب بالهيمنة العسكرية الأمريكية التي ظلت تعاني منها كل من اليابان وألمانيا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ما جعل موقفهما التفاوضي ضعيفا أمام الهيمنة الأمريكية، في حين لا تعاني الصين من هذه المعضلة. كما يفسر ذلك، خطط ألمانيا الحثيثة في "إعادة التسلح"، وببناء القوة العسكرية، خلال السنوات القليلة الماضية، لمواجهة أية ضغوطات أمريكية قادمة عليها.
نهاية الصفقة الأمريكية مع العالم: إعادة تدوير الدولار مقابل العجز التجاري
منذ صدمة نيكسون أوائل السبعينات، وهي سلسلة من التدابير الاقتصادية التي قام بها الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون عام 1971 لإنقاذ الدولار الأمريكي من الانهيار، وذلك عبر إلغاء قاعدة التحويل المباشر للدولار إلى الذهب، وتعويم الدولار (ربط الدولار بالعرض والطلب بدل سعر صرف ثابت مقابل الذهب)، بدأت الولايات المتحدة تعاني عجزا تجاريا مستمرا مع بقية دول العالم.
وكانت تلك نهاية نظام بريتون وودز (Bretton Woods) الذي تأسس عقب نهاية الحرب العالمية الثانية، لوضع قواعد النظام الاقتصادي والمالي العالمي، ونشأت بموجبه المنظمات المالية العالمية كالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي.
وبين عامي 1950 و1970، ومع تعافي ألمانيا واليابان، انخفضت حصة الولايات المتحدة من الناتج الاقتصادي العالمي بشكل ملحوظ، من 35 % إلى 27 %. علاوة على ذلك، أدى ميزان المدفوعات السلبي، وتزايد الدين العام المتراكم بسبب حرب فيتنام، والتضخم النقدي الذي فرضه الاحتياطي الفيدرالي، إلى ارتفاع قيمة الدولار بشكل متزايد في ستينيات القرن الماضي. وابتداء من الستينيات من القرن الماضي، بدأت الولايات المتحدة تواجه عجزا ونفادا في احتياطاتها من الذهب، الأمر الذي يعني أن حفاظها على وعدها بربط الدولار بالذهب حسب اتفاقية بيرتون وودز (Bretton Woods) أصبح مستحيلا.
ولتفادي إفلاس الولايات المتحدة، قرر الرئيس نيكسون عام 1971 إلغاء قاعدة تحويل الدولار إلى ذهب " (حسب سعر صرف ثابت) فيما عرف بـ"صدمة نيكسون"، كرد فعل على الارتفاع السريع للتضخم في الولايات المتحدة، ولمنع الاقتصاد الأمريكي من الانهيار. وتسببت صدمة نيكسون في الركود الاقتصادي في الفترة من 1973 إلى 1975، والركود التضخمي في السبعينيات، وعدم استقرار العملات العالمية.
ومنذ السبعينات أصبحت الولايات المتحدة تسجل عجزا تجاريا مطردا مع بقية العالم، في حين قبل تلك الفترة ظلت الولايات المتحدة، تحافظ على فائض تجاري مع بقية العالم، خاصة وأنها كانت تتبع سياسة حمائية فعالة مع تعريفات جمركية عالية لحماية سوقها الداخلية ومنتجيها من المنافسة الأجنبية.
كان الهدف من "صدمة نيكسون" نقل تمويل العجز في الموازنة العامة الأمريكية من دافعي الضرائب الأمريكيين على بقية العالم، عبر آلية مبتكرة هي "إعادة تدوير الدولار" (Dollar Recycling)، وهي الآلية التي يجري بموجبها استخدام مدخرات الدولار الأمريكي الخارجية لشراء أصول أمريكية مقومة بالدولار، وأبرز الأمثلة عليها هي "البترودولار (Petrodollar)، حيث يجري إعادة استثمار الفائض التجاري للدول المصدرة للنفط في شراء الأصول الأمريكية وخاصة سندات الخزانة الأمريكية التي هي أدوات للدين العام الأمريكي.
هكذا تحول الدولار الأمريكي إلى "عملة احتياطية" (Reserve Currency) عالمية، يعاد تدوير الفائض منها لدى الدول ذات الفائض التجاري مع الولايات المتحدة، في شراء سندات الخزانة الأمريكية وتمويل الدين العام الأمريكي. ويجب على الدولة التي تُعدّ عملتها عملة احتياطية عالمية، والتي تحتفظ بها الدول الأخرى كاحتياطيات من النقد الأجنبي لدعم التجارة الدولية، أن تُزوّد العالم بعملتها بطريقة ما لتلبية الطلب العالمي على هذه الاحتياطيات. وتُنجز هذه العملية عن طريق التجارة الدولية، حيث يُطلب من الدولة التي تُعتبر عملة احتياطية أن تُسجّل عجزًا تجاريًا حتميًا مع بقية دول العالم.
وبعد صدمة نيكسون والتخلي عن معيار الذهب عام 1971، وإرساء نظام البترودولار في أواخر سبعينيات القرن الماضي، تحمّلت الولايات المتحدة عبء هذا العجز التجاري المستمر منذ ذلك الوقت، فتحوّلت بشكل دائم من دولة دائنة إلى دولة مدينة مع بقية العالم.
وبذلك تبقى الولايات المتحدة في حالة عجز تجاري دائم مع بقية العالم، وتمول هذا العجز من خلال طبع العملة (الدولار)، بدون رصيد من الذهب أو السلع الأخرى، سوى الثقة العالمية في "القوة الأمريكية"، والتي يجري الحفاظ عليها أساسا من خلال القوة العسكرية.
هذه هي الشروط الأساسية التي ظلت تعمل بها "الإمبراطورية الأمريكية" على المستوى العالمي، أي الهيمنة الاقتصادية من خلال العملة الاحتياطية العالمية، والهيمنة العسكرية من خلال أقوى جيش في العالم، وأكبر موازنة للدفاع عالميا.
التعريفات الجمركية: السلاح الأخير
أمام استنفاذ الإدارات الأمريكية السابقة لكل الأدوات المالية والنقدية منذ أزمة جائحة كورونا، أصبحت الخيارات المتاحة أمام إدارة الرئيس ترامب محدودة للغاية، لمواجهة أزمة الدين العام والعجز في الموازنة العامة، في ظل وعوده السابقة بتخفيضات ضريبية كبيرة على الشركات والأفراد.
وتقوم السياسات الاقتصادية المتاحة أمام الدولة للتدخل في الاقتصاد على ثلاث أدوات رئيسية: السياسة المالية والنقدية (أسعار الفائدة وطبع العملة)، والسياسة الضريبية (الضرائب المباشرة وغير المباشرة)، والسياسة الجمركية (التعريفات الجمركية).
هكذا قرر الرئيس ترامب استخدام السلاح الأخير، سلاح التعريفات الجمركية، لتنفيذ أجندته الاقتصادية، القائمة على إعادة تصنيع الولايات المتحدة (Reindustrialization)، وخفض العجز التجاري، وخفض الدين العام، ورفع النمو الاقتصادي...إلخ.
ومن يناير إلى أبريل 2025، أعلن الرئيس دونالد ترامب عن سلسلة من الرسوم الجمركية الباهظة على جميع السلع المستوردة تقريبًا إلى الولايات المتحدة. وارتفع متوسط الرسوم الجمركية الأمريكية المرجح تجاريًا من 2% إلى ما يُقدر بـ 24%، وهو أعلى مستوى له منذ أكثر من قرن. [8]
في 2 أبريل - وهو اليوم الذي سمّاه "يوم التحرير" - وقّع ترامب أمرًا تنفيذيًا يفرض تعريفة جمركية لا تقل عن 10 % على جميع الواردات الأمريكية، اعتبارًا من 5 أبريل. وكان من المقرر أن تدخل التعريفات الجمركية الأعلى، التي تتراوح بين 11 % و50 %، على الواردات من 57 دولة حيز التنفيذ في 9 أبريل، ولكن تم تعليقها على الفور تقريبًا لمدة 90 يومًا لجميع الدول باستثناء الصين. ولا تزال التعريفة الجمركية البالغة 10 % سارية المفعول. [9]
كما صعّد ترامب حربه التجارية القديمة مع الصين، برفع الرسوم الجمركية الأساسية على الواردات الصينية إلى 145 % سارية المفعول بعد 9 أبريل 2025. [10] كما بدأ حربًا تجارية جديدة مع كندا والمكسيك بفرض رسوم جمركية بنسبة 25% على معظم السلع الواردة من الدولتين، مع منحه لاحقًا إعفاءات غير محددة المدة للسلع المتوافقة مع اتفاقية الولايات المتحدة والمكسيك وكندا. [11] وصاغ ترامب هذه الإجراءات كوسيلة لمحاسبة الدولتين على تهريب المخدرات والهجرة غير الشرعية، مع دعم التصنيع المحلي.
كما فرض رسومًا جمركية بنسبة 25 % على واردات الصلب والألمنيوم والسيارات من جميع الدول، ومن المتوقع أن يتبع ذلك فرض رسوم جمركية على قطع غيار السيارات. [12]
وصرحّ الرئيس ترامب بالقول إن الولايات المتحدة تحصل على 2 مليار دولار يوميا من الرسوم الجمركية، رغم أن معطيات هيئة الجمارك وحماية الحدود الأمريكية (CBP) تُناقض تصريحات الرئيس دونالد ترامب بشأن الإيرادات اليومية الناتجة عن أحدث حزمة من الرسوم الجمركية. وصرحت الهيئة أنه ومنذ 5 أبريل، جمعت أكثر من 500 مليون دولار بموجب الرسوم الجمركية المتبادلة الجديدة، مما ساهم في تحقيق أكثر من 21 مليار دولار من إجمالي إيرادات الرسوم الجمركية من 15 إجراءً تجاريًا رئاسيًا نُفذ منذ 20 يناير 2025. [13]
خفض العجز في الموازنة العامة
سعى الرئيس دونالد ترامب إلى إصلاح جذري للحكومة الأمريكية منذ توليه منصبه الرأسي الثاني في 20 يناير الماضي، بهدف خفض الإنفاق العام وتقليص عدد موظفي الخدمة المدنية البالغ عددهم 2.3 مليون موظف بشكل كبير، وذلك في إطار خطته لخفض العجز في الموازنة العامة وخفض الدين العام الأمريكي.
وقد عيّن الملياردير إيلون ماسك لرئاسة "إدارة كفاءة الحكومة" (DOGE) التي تُعنى بمراجعة سجلات الدفع وكفاءة الموظفين. وشنّ الرئيس دونالد ترامب حملةً لخفض الهدر الحكومي بمساعدة إدارة كفاءة الحكومة التي يقودها إيلون ماسك، إلا أن الخبراء يقولون إن خططه للميزانية ستزيد بشكل كبير من ديون البلاد بدل خفضها، وذلك بسبب خططته لخفض الضرائب على الشركات والأفراد.
ويخفّض ترامب ميزانية عدد من الوكالات الفدرالية، مثل الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، وسياسات التنوع والمساواة والشمول الحكومية، في إطار سعيه لتطبيق تخفيضات ضريبية كبيرة ضمن أجندته، إلا أن الخبراء يشيرون إلى أن ما يقرب من نصف الإنفاق الحكومي يُخصّص للضمان الاجتماعي والرعاية الطبية والدفاع، وهي قطاعات قد لا يكون خفض الموازنة فيها أمرا سهلا دون المخاطرة بمواجهة غضب شعبي، خصوصا أن انتخابات التجديد النصفي للكونغريس لعام 2026 أصبحت على الأبواب، ويخشى الجمهوريون خسارة الأغلبية التي يتمتعون بها حاليا في الكونغريس الأمريكي نتيجة سياسات إدارة ترامب
الركود المخطط
يبدو أن الرئيس ترامب كان يخطط لطريقة "العلاج بالصدمة"، حيث يعتقد الرئيس ترامب أن تحقيق هدفه متوسط المدى المتمثل في إعادة هيكلة الاقتصاد الأمريكي يستحق المخاطرة. وهو يحاول تطبيق نوع من العلاج
بالصدمة الاقتصادية عن طريق التعريفات الجمركية، مع إدراكه لاحتمالية وجود أضرار جانبية، في أسواق المال والأسهم الأمريكية والعالمية.
وقد أقر ترامب بأن الاضطراب الاقتصادي الذي تتصوره قد يكون مؤلما، ووصف ترامب الرسوم الجمركية الشاملة، بأنها "دواء" يهدف إلى معالجة أمراض الاقتصاد الأميركي، معلنا أنه غير قلق بشأن الخسائر التي أفقدت أسواق الأسهم في أنحاء العالم تريليونات الدولارات من قيمتها. وأضاف ترامب "لا أريد تراجعا في أي سوق، لكن في بعض الأحيان يتعين تناول علاج من أجل التعافي"، في إشارة إلى اعتماد الاقتصاد الأميركي على الواردات، مشددا على أن "الطريقة الوحيدة لحل هذه المشكلة هي الرسوم الجمركية". [14]
وأثارت إجراءات ترامب موجة من الاضطرابات في الأسواق المالية العالمية حيث سجلت الأسهم الآسيوية والأوروبية خسائر فادحة، وانخفضت العقود الآجلة لسوق الأسهم الأميركية بشكل حاد حيث أبدى المستثمرون مخاوفهم من أن تؤدي رسوم ترامب الجمركية إلى ارتفاع الأسعار، وضعف الطلب، وانخفاض الثقة، وربما ركود عالمي في نهاية المطاف.
ويواجه المستثمرون والقادة السياسيون صعوبة في تحديد ما إذا كانت رسوم ترامب الجمركية ستظل قائمة أم أنها جزء من نظام جديد دائم أم أنها تكتيك تفاوضي لكسب تنازلات من دول أخرى. وسعى كبار مستشاري ترامب الاقتصاديين إلى تصوير الرسوم الجمركية على أنها إعادة تموضع ذكية للولايات المتحدة في النظام التجاري العالمي.
الإستراتيجية الأمريكية: محاولة إعادة استنساخ تجربة 1985
ويبدو أن النجاح الذي عرفه اتفاق بلازا (Plaza Accord) يشكل الآن مصدر إلهام لإدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في سعيها لإيجاد طرق بديلة لخفض قيمة الدولار أمام العملات الأخرى المنافسة، وهي تأمل بذلك في في خفض العجز المزمن في الميزان التجاري الأميركي.
وكانت نتيجة اتفاق بلازا الشهير هو خفض قيمة الدولار مقابل العملات الأخرى للاقتصادات الكبرى في العالم، وخاصة ألمانيا واليابان، ونجح في خفض العجز التجاري للولايات المتحدة مع تلك الاقتصادات المتقدمة.
لكنه بالمقابل أدى إلى أزمة ركود مستفحلة في اليابان، لم تخرج منها البلاد إلى اليوم، وكانت نتيجتها تراجع اليابان من القوة الاقتصادية الثاني في العالم، والمنافس الرئيسي للولايات المتحدة خلال الثمانينات، إلى القوة الاقتصادية الرابعة عالميا.
ونجت ألمانيا من فخ الاتفاق من خلال اعتمادها عملة جديدة هي عملة الاتحاد الأوروبي اليورو (Euro)، حيث نجح الاقتصاد الألماني من الفرار من شبح الركود المستمر الذي سقط فيه نظيره الياباني بعد اتفاق بلازا.
خاتمة
من خلال حربه التجارية الجديدة، يسعى الرئيس ترامب إلى فرض نسخة معاصرة من "اتفاق بلازا" على الاقتصادات المنافسة، وعلى رأسها الصين، في محاولة طموحة لتكرار السيناريو الياباني وضمان استمرار الهيمنة الاقتصادية الأمريكية وسطوة الدولار على المنظومة المالية العالمية.
غير أن الصين تقف اليوم في موقع مختلف جذريا عما كانت عليه اليابان في ثمانينات القرن الماضي. فغياب الوجود العسكري الأمريكي الساحق الذي أخضع طوكيو وبرلين منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، يمنح بكين هامش مناورة استراتيجيا أوسع بكثير وقدرة أكبر على المقاومة والمواجهة في أي معركة اقتصادية مع واشنطن.
وفي الوقت نفسه، تتجه ألمانيا وأوروبا بأسرها نحو "إعادة التسلح" وبناء قدرات عسكرية مستقلة، ساعية إلى تحرير نفسها من قبضة النفوذ الأمريكي والتحصن ضد أي ضغوط اقتصادية مستقبلية، خاصة في ظل تصاعد الحروب التجارية العالمية والتهديدات الأمنية المتنامية من روسيا بعد غزوها لأوكرانيا، والتوترات المشتعلة على الحدود الشرقية للقارة. وبذلك، فإن استراتيجية ترامب الضريبية والاقتصادية تتجه نحو مواجهة عالم متعدد الأقطاب لن يخضع بسهولة، ما ينذر بمرحلة من الاضطراب الاقتصادي العالمي قد تعيد تشكيل موازين القوى الدولية بشكل جذري.
ملاحظة: وجهات النظر والآراء والمعلومات الواردة في هذا البحث تعبّر عن رأي الكاتب فقط، ولا تعكس بالضرورة آراء "نيو جراوند". إذا كانت هناك أي أسئلة حول الإشارة إلى منشوراتنا أو أي مواد أخرى من موقعنا الإلكتروني، يُرجى التواصل
الدكتور محمد الكوخي
باحث رئيسي، نيو جراوند للأبحاث


