النزاع الإقليمي على الغاز في شرق البحر المتوسط
- Feb 11
- 14 min read
الكتاب: محمد الكوخي
باحث رئيسي
Download a PDF
ورقة تحليلية - الأبعاد الجيوسياسية للحرب التجارية الجديدة: إعادة رسم خارطة الاقتصاد العالمي
ملخص المقال باللغة العربية
عاد ملف غاز شرق المتوسط إلى الواجهة مؤخرا بعد توقيع لبنان وقبرص اتفاقا لترسيم الحدود البحرية بينهما، يسمح للبلدين بالتنقيب في المناطق الاقتصادية لكل منهما، في حين أعلنت تركيا رفضها لهذا الاتفاق الذي لا يحترم حقوق القبارصة الأتراك في الجزيرة المتنازع عليها منذ عقود. ما أعاد وخلال السنوات الماضية تزايدت التوترات في منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط ، ويعود ذلك إلى تداخل النزاعات التاريخية مع ظروف جديدة تتمثل في الاكتشافات المهمة لحقول الغاز الطبيعي في المنطقة، وازدياد المنافسة الإقليمية على الموارد والنفوذ، وتزايد تدخل القوى الخارجية في المنطقة.
وليست هذه الأزمة المتعددة الأبعاد، حول حقوق التنقيب في حقول الغاز في شرق المتوسط، وليدة اللحظة الحالية، ولكنها امتداد لمسار طويل من الأزمات المستعصية في المنطقة، والتي امتدت طوال العقود الماضية. وأصبحت منطقة شرق البحر المتوسط معتادة على إدارة الأزمات بدل حلها، مع فترات من الركود وأخرى من التوترات المشتعلة والحروب المتعددة في المنطقة.
ولا يتعلق الأمر فقط بموضوع الغاز الطبيعي وحقوق التنقيب في المياه الإقليمية، وإنما يمتد أيضا إلى مواضيع ترسيم الحدود العالقة والتنافس الإقليمي بين بلدان المنطقة، والمكاسب الاقتصادية والأمنية والجيوسياسية المتداخلة.
وتتأثر السيناريوهات المستقبلية لصراع الغاز في شرق البحر الأبيض المتوسط بشكل أساسي بالتفاعل بين احتياطيات الغاز الطبيعي الكبيرة، والنزاعات المعقدة على الحدود البحرية، والتنافسات الجيوسياسية الإقليمية، وسعي أوروبا لتنويع مصادر إمدادات الطاقة.
English abstract
The Eastern Mediterranean gas issue has recently returned to the forefront following the signing of an agreement between Lebanon and Cyprus to delimit maritime boundaries between them, allowing both countries to explore their respective economic zones. Turkey, however, announced its rejection of this agreement, which it claims does not respect the rights of Turkish Cypriots on the island that has been disputed for decades.
In recent years, tensions in the Eastern Mediterranean region have escalated, due to the intersection of historical disputes with new circumstances represented by significant discoveries of natural gas fields in the region, increased regional competition over resources and influence, and growing intervention by external powers in the area.
This multidimensional crisis concerning drilling rights in Eastern Mediterranean gas fields is not a product of the current moment, but rather an extension of a long trajectory of intractable crises in the region that have persisted throughout past decades. The Eastern Mediterranean region has become accustomed to crisis management rather than resolution, with periods of stagnation alternating with periods of inflamed tensions and multiple wars in the region.
The matter is not limited solely to natural gas and drilling rights in territorial waters, but also extends to unresolved border demarcation issues, regional competition among countries in the region, and overlapping economic, security, and geopolitical interests.
Future scenarios, laid out in this piece, for the gas conflict in the Eastern Mediterranean, are fundamentally influenced by the interaction between substantial natural gas reserves, complex disputes over maritime boundaries, regional geopolitical rivalries, and Europe's pursuit of diversifying its energy supply sources.
Resúmen en español
La cuestión del gas en el Mediterráneo Oriental ha vuelto recientemente al primer plano tras la firma de un acuerdo entre Líbano y Chipre para delimitar las fronteras marítimas entre ambos, permitiendo a los dos países explorar sus respectivas zonas económicas. Sin embargo, Turquía anunció su rechazo a este acuerdo, que según afirma no respeta los derechos de los turcochipriotas en la isla disputada desde hace décadas.
En los últimos años, las tensiones en la región del Mediterráneo Oriental se han intensificado, debido a la intersección de disputas históricas con nuevas circunstancias representadas por importantes descubrimientos de yacimientos de gas natural en la región, el aumento de la competencia regional por recursos e influencia, y la creciente intervención de potencias externas en la zona.
Esta crisis multidimensional concerniente a los derechos de perforación en los yacimientos de gas del Mediterráneo Oriental no es producto circunstancias actuales, sino más bien una extensión de una larga trayectoria de crisis irresueltas en la región que han persistido a lo largo de las últimas décadas. La región del Mediterráneo Oriental se ha acostumbrado a la gestión de crisis en lugar de su resolución, con períodos de estancamiento que se alternan con otros de altas tensiones y múltiples guerras en la región.
El problema no se limita únicamente al gas natural y los derechos de perforación en aguas territoriales, sino que también se extiende a cuestiones pendientes de demarcación fronteriza, competencia regional entre los países de la región e intereses económicos, de seguridad y geopolíticos superpuestos.
Los escenarios futuros del conflicto del gas en el Mediterráneo Oriental están fundamentalmente influenciados por la interacción entre las sustanciales reservas de gas natural, las complejas disputas sobre fronteras marítimas, las rivalidades geopolíticas regionales y la búsqueda de Europa de diversificar sus fuentes de suministro energético.
جذور النزاع في شرق المتوسط
تحت مياه شرق البحر المتوسط، لا يكمن الغاز الطبيعي فحسب، بل تتشابك خيوط نزاعات تاريخية عمرها عقود مع طموحات اقتصادية تقدر بمليارات الدولارات، في منطقة أصبحت نقطة تقاطع حاسمة بين أمن الطاقة الأوروبي والتنافس الإقليمي المتصاعد.
تكمن أهمية غاز شرق المتوسط بأبعادها الإستراتيجية والاقتصادية. تم اكتشاف مكامن مؤكدة تبلغ حوالي 354 تريليون قدم مكعب ((Tcf حتى عام 2022. [1] والآن هذه الاحتياطات التي لا تقع بأكملها ضمن سيادة دولة واحدة، فإن إمكانية تفاقم النزاعات على الغاز تحمل انعكاسات خطيرة على المنطقة، سواء بين الدول المتحاربة (كلبنان وإسرائيل) أو بين الدول التي تشهد علاقات سلمية نسبيًا (كمصر وتركيا). لذلك، لا بد أن يشكل هذا الغاز أداة لاستتباب السلام والاستقرار من خلال اتفاقيات تضمن المصالح الاقتصادية لكافة الأطراف المتنازعة. ويجب أن تضمن هذه الاتفاقيات معادلة عادلة لاستغلال الثروات الباطنة لاحتياطات الغاز التي تقع على ساحل غزة ضمن حسابات أعادة الاعمار والإصلاح في غزة.
خلفية النزاعات القائمة بين دول شرق المتوسط
ومنذ العام 1999، أثارت اكتشافات الغاز الطبيعي في الأحواض البحرية العميقة الواقعة في شرق البحر الأبيض المتوسط الكثير من التوترات بين الدول المطلة على شواطئه، وخاصة وأن المنطقة ظلت تعرف أزمات عديدة ونزاعات حدودية كثيرة بين دولها، وخاصة بين تركيا واليونان، والنزاع طويل الأمد في قبرص، والصراع العربي الإسرائيلي، إضافة إلى الأزمات المستجدة مثل الأزمة الليبية والسورية... إلخ.
وشهد مطلع العام 2018، احتدام التوتر بين عدد من دول شرق البحر الأبيض المتوسط، نتيجة الإعلان عن اكتشافات ضخمة للغاز بالمنطقة، ولاسيما بين تركيا واليونان وجمهورية قبرص اليونانية من جهة، ولبنان وإسرائيل من جهة أخرى، نتيجة للنزاعات الحدودية بين هذه البلدان حول المناطق الاقتصادية البحرية لكل دولة وحقوق التنقيب فيها، ما يهدد مستقبلا باحتمالية اندلاع حروب إقليمية بين الدول المتنازعة في شرق البحر المتوسط.
ويمكن تلخيص النزاعات الرئيسية ومحركات الصراع في شرق البحر الأبيض المتوسط فيما يلي:
النزاع القبرصي
بعد حصول قبرص على استقلالها من بريطانيا عام 1960، تصاعدت التوترات بين القبارصة اليونانيين والقبارصة الأتراك، وقد أدت النزاعات الدستورية والعنف العرقي والتنافس بين الحركات القومية (الانضمام إلى اليونان مقابل التقسيم) إلى تفاقم حالة عدم الاستقرار في الجيرة القبرصية.
وجاءت نقطة الانعطاف الرئيسية في الأزمة، في يوليو 1974، عندما احتلت القوات التركية الشطر الشمالي من الجزيرة، عقب انقلاب عسكري نفذه القبارصة اليونان على الحكومة آنذاك، ثم تدخل الأمم المتحدة لوقف القتال بين الطرقين، وبدء مفاوضات لتوحيد شطري الجزيرة.
ومنذ ذلك الحين، ظلت الجزيرة مقسمة فعلياً بين الشطرين الشمالي والجنوبي. وتسيطر جمهورية قبرص (المعترف بها دولياً، بقيادة القبارصة اليونانيين) على الجنوب. أما جمهورية شمال قبرص التركية فقد أعلنت استقلالها عام 1983، ولا تعترف بها سوى تركيا.
وتفاقم هذا النزاع أكثر مع اكتشاف حقول غاز في المياه الاقتصادية لقبرص، وإعلان تركيا مؤخرا عزمها القيام بعمليات تنقيب عن النفط والغاز قبالة سواحل جزيرة قبرص (الشطر التركي) عقب فشل محادثات السلام التي ترعاها الأمم المتحدة لتوحيد شطري الجزيرة. وإثر ذلك فرض الاتحاد الأوروبي عقوبات على أنقرة بتعليق أي اجتماعات رفيعة المستوى بين الجانبين. [2]
ويمثل هذا الخلاف بؤرة صراع مركزية في شرق المتوسط، والمرشحة للتفاقم أكثر، مع دفع تركيا بقواتها إلى السواحل القبرصية الشمالية، تحت ذريعة حماية الحقوق الاقتصادية للقبارصة الأتراك باعتبارها دولة ضامنة لهم.
النزاع الحدودي بين تركيا واليونان
تعود جذور هذا النزاع إلى أيام حرب استقلال اليونان عن الدولة العثمانية، وعرفت العلاقات بين البلدين توترات مستمرة طوال العقود الماضية خاصة فيما يخص المسألة القبرصية وتداعياتها. وزاد اكتشاف احتياطيات الغاز شرق المتوسط من التوترات بين تركيا واليونان، وذلك على خلفية توقيع اليونان ومصر وقبرص وإسرائيل اتفاقية لترسيم الحدود البحرية بينها اعتبرتها تركيا مجحفة في حقها، وأعلنت رسميا رفضها لها. [3]
وترفض تركيا الاعتراف بالحدود التي تطالب بها اليونان ضمن منطقتها الاقتصادية البحرية، وتسعى إلى اتفاق مع الحكومة الليبية لترسيم الحدود البحرية بينهما، حسب مقترح لوزير الدفاع التركي، [4] وذلك لقطع الطريق على الاتفاقية الرباعية السابقة، وهو ما سيشكل حاجزا رئيسيا أمام أية محاولة لمد أنابيب الغاز من شرق المتوسط نحو أوروبا، دون موافقة تركية ومراعاة لمصالحها.
وتتخوف اليونان من هذه الخطوة لأنها ستضرب طموحاتها لأن تصبح مركزا إقليميا أساسيا لتصدير الغاز نحو أوروبا، وتجعلها تحت رحمة خصمها اللدود تركيا.
النزاع بين إسرائيل ولبنان
ويبدو أن النزاع بين إسرائيل ولبنان حول الحدود البحرية هو الأكثر سخونة في المنطقة، مع وجود خلاف بين البلدين حول عدد من الأميال البحرية قبالة السواحل على الحدود بين البلدين،
والتي تعتبرها لبنان جزء من منطقتها الاقتصادية الخالصة. ومع حالة التوتر الدائمة بين البلدين والتي تطورت لحروب متتالية طوال العقود الماضية، بما في ذلك الحرب الأخيرة في جنوب لبنان عقب السابع من أكتوبر، يبدو أن المسألة قابلة للتصعيد باستمرار.
لكن وبعد عقد من الجدل حول حقول الغاز البحرية، فضلاً عن التهديدات بخوض الحرب بشأنها، توصل لبنان وإسرائيل في 27 أكتوبر 2022 إلى اتفاق بشأن ترسيم الحدود البحرية بينهما، وذلك بوساطة أمريكية، ومفاوضات امتدت لعامين. [5]

تأسيس تحالف منتدى غاز شرق المتوسط
مع تدهور علاقات تركيا مع كل من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي خلال السنوات الماضية على خلفية أكثر من ملف، أصبحت هناك فرصة مناسبة لنشوء تكتل إقليمي مناوئ لتركيا، ويضم كلا من اليونان وقبرص وإسرائيل ومصر، إضافة إلى دول لديها مصالح في شرق المتوسط وهي فرنسا (من خلال شركة طوطال النفطية) وإيطاليا (من خلال شكة إيني النفطية)، اتضحت معالمه مع تشكيل منتدى غاز شرق المتوسط مطلع عام 2019، والذي استبعد تركيا من عضويته.
في يناير 2019، اجتمع سبعة وزراء طاقة من منطقة شرق المتوسط، من مصر وإسرائيل واليونان وقبرص وإيطاليا والأردن والسلطة الفلسطينية، في العاصمة المصرية القاهرة، وتم التوصل إلى اتفاقية لتأسيس منتدى
غاز شرق المتوسط[6]. وفي الاجتماع الوزاري الثاني الذي عُقد في 25 يوليو 2019 في القاهرة، شارك وزير الطاقة الأمريكي ريك بيري كضيف خاص، إلى جانب المدير العام للطاقة في الاتحاد الأوروبي وممثلي فرنسا والبنك الدولي. وتقدمت فرنسا بطلب للانضمام إلى المنتدى كعضو كامل، بينما طلبت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي الحصول على صفة مراقب دائم.[7]
وفي 15 يونيو 2022، أُعلن في منتدى غاز شرق المتوسط أن الاتحاد الأوروبي ومصر وإسرائيل توصلوا إلى اتفاق يقضي بتزويد الاتحاد الأوروبي بالغاز، بهدف تقليل اعتماده على روسيا، التي كانت تزوده بنحو 40% من احتياجاته. وبموجب هذا الاتفاق، سيتم نقل الغاز من إسرائيل عبر خط أنابيب إلى محطة الغاز الطبيعي المسال على ساحل مصر المطل على البحر الأبيض المتوسط، قبل نقله بواسطة ناقلات إلى الشواطئ الأوروبية. [8] في المقابل، اعتبرت تركيا أن هذا الاستبعاد لها هو أمر يشكل جبهة أو محورا إقليميا ضدها ولهذا بدأت التحرك العملي إزاء هذا الأمر. [9]
وبالتوازي مع ذلك، جرى توقيع اتفاقا لترسيم الحدود البحرية بين لبنان وقبرص، نهاية عام 2025، يسمح للبلدين بالتنقيب في المناطق الاقتصادية لكل منهما، في حين أعلنت تركيا رفضها لهذا الاتفاق الذي لا يحترم حقوق القبارصة الأتراك في الجزيرة المتنازع عليها منذ عقود.[10]
الرد التركي على الحلف الجديد
جاء الرد التركي على تشكيل منتدى غاز شرق المتوسط (EMGF)، والتعاون في مجال الطاقة بين اليونان وقبرص وإسرائيل ومصر، قويّاً وحازما، حيث اعتبرته تحالفا مضادا لمصالحها في المنطقة. وحوّل الرد التركي مسألة غاز شرق المتوسط إلى نزاع جيوسياسي أوسع، يجمع بين الحجج القانونية والاتفاقيات الثنائية والوجود البحري ودعم شمال قبرص لعرقلة الترتيبات التي تعتبرها معادية لمصالحها.
وتضمنت عناصر الرد التركي الرئيسية مزيجا من الإجراءات السياسية والعسكرية والدبلوماسية، وذلك ضمن رؤية استراتيجية أشمل تعرف بعقيدة "الوطن الأزرق" (Mavi Vatan)، والتي تتحدى مطالبات اليونان وقبرص بالمنطقة الاقتصادية الخالصة بها، بحجة أن الجزر لا يمكنها توليد منطقة اقتصادية خالصة كاملة، عكس الجرف القاري، وأنه يجب أن يستفيد القبارصة الأتراك أيضًا من أي موارد متعلقة بالجزيرة القبرصية.
وجاء الرد العسكري واضحا، حيث أرسلت تركيا مرارًا سفنًا حربية وسفنًا للتنقيب الزلزالي إلى المياه المتنازع عليها التي تطالب بها اليونان وقبرص، حيث عرقلت السفن الحربية التركية سابقًا أعمال الشركات الدولية العاملة بموجب تراخيص قبرصية في السنوات الماضية. وفي صيف العام 2024، عرقلت السفن الحربية التركية أعمال المسح المدعومة من الاتحاد الأوروبي لمد كابل يربط بين اليونان وقبرص وإسرائيل. وفي عام 2025، اعترضت تركيا على عمليات الحفر في "القطاع 5" من المنطقة الاقتصادية الخالصة لقبرص، بحجة أنها انتهاك لحقوق القبارصة الأتراك.
وعلى المستوى السياسي، وقعت تركيا اتفاقية ترسيم حدود بحرية مثيرة للجدل مع حكومة الوفاق الوطني الليبية، وذلك في العام 2019، مما أدى إلى إنشاء ممر بحري يقطع منطقة تطالب بها اليونان، باعتبارها تابعة لها. وقد قوبل هذا الاتفاق بإدانة واسعة من كل من مصر واليونان. [11]
من جهة أخرى، قامت تركيا بجهود كبيرة في مجال الاستثمار في البنية التحتية البديلة، وذلك لتقليل اعتمادها على الواردات وترسيخ دورها كمركز إقليمي للطاقة، حيث استثمرت تركيا بكثافة في البنية التحتية المحلية للغاز الطبيعي، بما في ذلك مرافق إعادة تحويل الغاز المسال إلى غاز طبيعي ومرافق التخزين. وقد تضاعفت قدرتها على إعادة تحويل الغاز المسال إلى غاز طبيعي خمس مرات منذ عام 2020، لتصبح ثالث أكبر مسيل للغاز الطبيعي في أوروبا بعد ألمانيا وإيطاليا.[12]
وفي سعيها الحثيث للتحول إلى مركز إقليمي للطاقة، قامت تركيا بخطوات متسارعة نحو الاستثمار المباشر في حقول النفط والغاز الأميركية، في إطار خطة أوسع لإعادة هيكلة محفظتها من موارد الطاقة، ضمن إستراتيجية تركية متعددة الأوجه تهدف إلى تنويع مصادر الإمداد وتقليص الارتباط التقليدي بالغاز الروسي، بالتزامن مع دفع قوي لتحقيق طموح أنقرة بالتحول إلى مركز إقليمي ودولي لتجارة الغاز يربط بين منتجيه في الشرق ومستهلكيه في الغرب. [13]
السيناريوهات المستقبلية
من المرجح أن يكون المسار المستقبلي مزيجًا معقدًا من نماذج الصراع المجمد والتعاون، مع فترات من التوتر المتزايد. وستكون ديناميكيات الأمن في المنطقة، وأسعار الطاقة العالمية (وخاصة حاجة أوروبا إلى استبدال الغاز الروسي) من أهم المتغيرات الحاسمة في هذا الصدد.
ويمكن وضع عدد من السيناريوهات المستقبلية المحتملة لهذا الصراع في شرق المتوسط:
اللعبة الصفرية: استمرار الصراع والتصعيد
يتسم هذا السيناريو بالنزاعات المستمرة وارتفاع خطر اندلاع المواجهات، مع استمرار النزاعات البحرية الراسخة، وتفاقم الصراعات الإقليمية في منطقة شرق البحر المتوسط. ويصبح مشهد الطاقة متشابكاً بشكل متزايد مع الصراعات القائمة.
ولا تزال الخلافات الرئيسية بين تركيا واليونان وقبرص حول المناطق الاقتصادية الخالصة ووضع قبرص دون حل، مما يؤدي إلى استمرار المناورات البحرية والتنافس على حقوق التنقيب.
ولا تزال القوى الإقليمية تواصل تعزيز تحالفاتها الأمنية والطاقوية المتداخلة والمتنافسة، مع استمرار أعضاء منتدى غاز شرق المتوسط (قبرص ومصر واليونان وإسرائيل والأردن وفلسطين وإيطاليا وفرنسا) في استبعاد
تركيا، مما يعزز ديناميكية المواجهة والصراع في المنطقة، ويصبح التنقيب على الغاز عنوانا لهذا الصراع المتشابك.
ويؤدي تفاقم هذا النزاع إلى توقف التنمية في المنطقة، حيث إن ارتفاع المخاطر السياسية والأمنية يثني شركات الطاقة الدولية الكبرى عن استثمار رأس المال اللازم في أعمال التنقيب والبنية التحتية، مما يبطئ تطوير حقول الغاز وتحقيق الربح منها، وبالتالي التنمية المنشودة لدول المنطقة.
التعاون الإقليمي: التعاون والتكامل الإقليمي
هذا هو السيناريو الأكثر إيجابية، حيث تتغلب الحوافز الاقتصادية المشتركة على العقبات السياسية والنزاعات الحدودية بين دول المنطقة. وتُشكل المكاسب الاقتصادية من الغاز حافزًا قويًا للسلام، مما يدفع نحو حل النزاعات السياسية أو تجميدها مؤقتًا.
ويتيح التوصل إلى حلول شاملة إمكانية إدراج تركيا في إطار أوسع للتعاون الإقليمي في مجال الطاقة، ربما من خلال عضويتها في منتدى غاز شرق المتوسط في نهاية المطاف، أو عقد مؤتمر متعدد الأطراف جديد لإنشاء صيغة تعاون إقليمي جديدة بخصوص ملف الغاز.
ويتطلب ذلك اتخاذ تدابير لبناء الثقة، لا سيما فيما يتعلق بقضية قبرص، وربما الدخول في مفاوضات جدية لإعادة توحيد الجزيرة المنقسمة، وحل النزاع القبرصي، مما يخفف التوتر الإقليمي بين تركيا واليونان والاتحاد الأوروبي. كما يمكن إنشاء آليات لتقاسم عائدات موارد قبرص، في حالة فشل إعادة توحيد الجزيرة.
وفي هذا السيناريو يتم استكشاف خيارات تصدير جديدة بناءً على الجدوى الاقتصادية، بما في ذلك احتمال إنشاء خط أنابيب يربط تركيا بأوروبا أو الاستخدام المشترك للبنية التحتية الإقليمية.
مزيج التعاون والصراع: صراع "مجمد" وتنمية محدودة
يعتبر هذا السيناريو الأكثر ترجيحاً على المدى القريب، حيث تستمر التوترات الإقليمية، ولكنها تبقى محصورة إلى حد كبير ومحدودة لمنع اندلاع نزاعات مفتوحة أو حروب إقليمية واسعة. وتبقى النزاعات البحرية بين دول المنطقة دون حل قانوني، ولكن يسود شكل من أشكال "إدارة التوتر" أو خفض التصعيد، وذلك بوساطة قوى خارجية مثل الولايات المتحدة أو الاتحاد الأوروبي، حيث يتم تجنب الحوادث البحرية أو يتم احتواؤها بسرعة. وهو ما جرى حتى الآن طوال السنوات الماضية. ويستمر تطوير الغاز بشكل أساسي من خلال الاتفاقيات الثنائية والصفقات التجارية العملية القابلة للتحقيق، والتي تتجاوز النزاعات السياسية الرئيسية على المناطق الاقتصادية الخالصة التي تطالب بها كل دولة في المنطقة.
وفي هذا السيناريو تستمر مصر في تعزيز دورها كمركز إقليمي للغاز، مستخدمةً منشآتها الحالية للغاز الطبيعي المسال لمعالجة وتصدير الغاز من إسرائيل، وفي نهاية المطاف من قبرص، على الرغم من ارتفاع الطلب المحلي لديها. في حين تحاول تركيا الاستفادة من التحولات العالمية والإقليمية الجارية لترجيح كفتها في التحول إلى مركز إقليمي للطاقة. ويتم تأجيل مشاريع البنية التحتية الكبيرة والطموحة مثل خط أنابيب شرق المتوسط المقترح بسبب مشاكل الجدوى التجارية والتكلفة العالية ومعارضة تركيا. تعتمد الصادرات على خطوط الأنابيب ومنشآت الغاز الطبيعي المسال الموجودة.
في حين تبقى تركيا خارج منتدى غاز شرق المتوسط، لكنها تواصل استكشاف الغاز محلياً وفي البحر الأسود، بينما تعتمد على الغاز الروسي والأمريكي لتلبية طلبها المحلي الكبير على الطاقة.
الغياب المتعمد للبعد الاقتصادي في تحليل النزاعات
يكشف نزاع غاز شرق المتوسط عن إشكالية منهجية أوسع في تحليل النزاعات الإقليمية المعاصرة: الإفراط في التركيز على المواقف الجيوسياسية المرئية على حساب الحوافز الاقتصادية الرشيدة. ففي حين تهيمن الخطابات القومية والمخاوف الأمنية على التغطية الإعلامية والتصريحات الرسمية، تبقى الحسابات الاقتصادية الفعلية - التي تشير إلى محدودية جدوى العديد من مشاريع الغاز في المنطقة - غائبة عن النقاش العام.
هذا الانحياز التحليلي والغير المتكامل له عواقب سياسية حقيقية. فعندما تُصاغ النزاعات كصراعات وجودية بدلاً من خلافات حول توزيع المنافع الاقتصادية، تصبح التسويات السياسية أكثر صعوبة، وتتراجع احتمالات التوصل إلى ترتيبات عملية قائمة على المصلحة المشتركة. والحال أن العديد من الدول المتنازعة في شرق المتوسط تحتاج إلى استثمارات خارجية ضخمة وشراكات تقنية طويلة الأمد لتطوير حقول الغاز - وهو ما يتطلب بيئة من الاستقرار والتعاون لا يوفرها الوضع الراهن.
دروس من التجارب الإقليمية المماثلة
توفر تجارب دول أخرى في إدارة موارد الطاقة المشتركة دروساً قيمة. فنموذج "تقاسم الإنتاج" المطبق في بعض حقول النفط والغاز المشتركة في بحر الشمال وجنوب شرق آسيا يقدم سابقة قد تكون قابلة للتطبيق جزئياً في شرق المتوسط. كما أن اتفاقيات الاستثمار المشترك بين دول لديها نزاعات حدودية غير محسومة - مثل الاتفاق الإطارية بين تيمور الشرقية وأسترالي[14]ا حول موارد بحر تيمور - تثبت إمكانية الفصل بين النزاعات السيادية وبين التعاون الاقتصادي العملي.
ومن اللافت أن بعض منتجي الغاز الإقليميين خارج دائرة الصراع المباشر - الذين نجحوا في تطوير بنية تحتية متقدمة للغاز الطبيعي المسال وبناء علاقات تجارية طويلة الأمد مع المستهلكين الأوروبيين والآسيويين - قد يكون لديهم دور محتمل في تسهيل الحوار أو تقديم نماذج ناجحة للتعاون التجاري الذي يتجاوز الاختلافات السياسية. فالخبرة التقنية والتجارية المكتسبة عبر عقود من تطوير صناعة الغاز، إلى جانب العلاقات الدبلوماسية المتوازنة مع مختلف أطراف النزاع، قد تمكّن بعض الدول من لعب دور الوسيط الاقتصادي أو الشريك التقني الذي يمكن أن يساعد في بناء جسور الثقة بين الأطراف المتنازعة.
خاتمة: تراجع أهمية غاز شرق المتوسط على المدى الطويل
أصبحت دول غرب البحر المتوسط خبيرة في إدارة النزاعات طويلة الأمد (النزاع القبرصي، الصراع العربي الإسرائيلي...إلخ)، بدل حلها. ومع ترجيح سيناريو تجميد الصراع على غاز شرق المتوسط على المدى القصير وربما المتوسط، فإن الأهمية الاستراتيجية لهذا الغاز ستتناقص تدريجيا مع الزمن.
لقد جاءت طفرة الغاز في شرق البحر الأبيض المتوسط متأخرة زمنيا، إذ ظهرت في الوقت الذي بدأ فيه العالم تحولاً جاداً نحو الابتعاد عن الوقود الأحفوري. وبينما وفرت هذه الطفرة نقطة توتر جيوسياسي مؤقتة وشريان حياة اقتصادي محتمل لبعض الدول، إلا أن آفاقها على المدى الطويل تبدو قاتمة بفعل قوة تحول الطاقة التي
لا يمكن إيقافها، وعيوبها الاقتصادية الكامنة، والصراعات السياسية المستمرة التي تحول دون استغلالها الكامل. ومن المرجح أن تكون فترة ازدهارها قصيرة نسبياً، وعائداتها أقل بكثير من تكاليفها المحتملة.
وتؤدي الصراعات الإقليمية والنزاعات البحرية والتهديدات التي تواجه الشحن البحري (هجمات البحر الأحمر، والتوترات بين الدول) إلى ارتفاع تكاليف التأمين والنقل ومخاطر الاستثمار، مما يثني عن الالتزامات طويلة الأجل. وتُنفذ مشاريع شرق البحر الأبيض المتوسط الجديدة ببطء شديد، وبحلول وقت الانتاج، قد تكون أسواق الغاز العالمية مزودة بشكل أفضل ويكون الطلب أقل، مما يقوض الجدوى الاقتصادية.
في حين يقدم كبار مصدري الغاز عبر خطوط الأنابيب/الغاز الطبيعي المسال (روسيا تاريخياً، والتي حل محلها جزئياً الآن قطر والولايات المتحدة والجزائر والنرويج وأذربيجان) والمنتجون الأفارقة الجدد (نيجيريا والسينغال) إمدادات أقل تكلفة وقابلة للتوسع إلى أوروبا والأسواق العالمية.
إن النافذة الزمنية المتاحة لتحويل هذا الملف من مصدر للصراع إلى محفز للتعاون الإقليمي تضيق بسرعة. فالعالم يتجه نحو مصادر طاقة أنظف، والأسواق تبحث عن موردين أكثر استقراراً، والتكنولوجيا تفتح خيارات جديدة تجعل الاعتماد على أي مصدر واحد أقل ضرورة. وما لم تدرك دول المنطقة - وخاصة اللاعبين
الرئيسيين كتركيا واليونان ومصر وإسرائيل - أن المكاسب المحتملة من التعاون تفوق بكثير "انتصارات" المواجهة الرمزية، فإن غاز شرق المتوسط سيبقى مثالاً آخر على كيف يمكن للخلافات السياسية أن تحول الفرص الاقتصادية إلى أعباء استراتيجية.
ملاحظة: وجهات النظر والآراء والمعلومات الواردة في هذا البحث تعبّر عن رأي الكاتب فقط، ولا تعكس بالضرورة آراء "نيو جراوند". إذا كانت هناك أي أسئلة حول الإشارة إلى منشوراتنا أو أي مواد أخرى من موقعنا الإلكتروني، يُرجى التواصل معنا:info@newgroundresearch.com
[1] مركز العربي واشنطن دي سي (2025) الغاز والجيوسياسية في شرق البحر المتوسط. https://arabcenterdc.org/resource/gas-and-geopolitics-in-the-eastern-mediterranean/
[2] وكالة الأناضول (2020) يضم ٧ دول.. إطلاق "منتدى غاز شرق المتوسط" رسميا الثلاثاء. https://www.aa.com.tr/ar/الدول-العربية/يضم-7-دول-إطلاق-منتدى-غاز-شرق-المتوسط-رسميا-الثلاثاء/1980712
[3] فورين بوليسي. (2019) الغاز من أجل السلام https://foreignpolicy.com/2019/05/28/gas-for-peace/
[4] إيكاثيميريني (2018) وزير الدفاع التركي يتهم اليونان بانتهاك الجرف القاري الليبي http://www.ekathimerini.com/234574/article/ekathimerini/news/turkish-defense-minister-accuses-greece-of-violating-libyan-continental-shelf
[5] مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي (2022 (صفقة لبنان البحرية مع إسرائيل. https://carnegiegendowment.org/sada/2022/10/lebanons-maritime-deal-with-israel?lang=ar
[6] هيئة الاستعلامات المصرية. ((2023منتدى غاز شرق المتوسط https://sis.gov.eg/en/international-relations/egypt-intl-organizations/east-mediterranean-gas-forum/
[7] ميس الشرق الأوسط الاقتصادي (MEES). (2019)، 26 يوليو). إطلاق منتدى غاز شرق المتوسط( https://www.mees.com/2019/7/26/news-in-brief/east-med-gas-forum-launched/63d1c170-afa7-11e9-82fc-87de454dda2c
[8] تايمز أوف إسرائيل (2022 (إسرائيل والاتحاد الأوروبي ومصر يتفقون على صفقة لتصدير الغاز الطبيعي إلى أوروبا https://www.timesofisrael.com/israel-eu-egypt-agree-deal-to-export-natural-gas-to-europe/
[9] تي ار تي عربي ((2019 منتدى غاز شرق المتوسط خطوة تهدد بخلق نزاعات جديدة https://www.trtarabi.com/article/3435887
[10] رويترز (2025) تركيا: اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وقبرص ينتهك حقوق القبارصة الأتراك وغير مقبول
[11] سي إن إن بالعربية. (2022) مصر، ليبيا، تركيا https://arabic.cnn.com/middle-east/article/2022/10/03/egypt-libya-turkey
[12] وكالة الأناضول. (2024). تركيا في طريقها للحصول على ثالث أكبر سعة تخزين للغاز الطبيعي في أوروبا.. https://www.aa.com.tr/en/economy/turkiye-is-set-to-have-europes-third-largest-natural-gas-storage-capacity/3107884
[13] الجزيرة (2023) هل يسرّع الغاز الأميركي وتيرة تحول تركيا لمركز إقليمي للطاقة؟ https://www.aljazeera.net/ebusiness/2025/12/8/هل-يسرع-الغاز-الأميركي-وتيرة-تحول
[14] وزارة الخارجية والتجارة الأسترالية. (2018) معاهدة بين أستراليا وجمهورية تيمور الشرقية الديمقراطية بشأن الترتيبات البحرية في بحر تيمور. https://www.dfat.gov.au/sites/default/files/treaty-maritime-arrangements-australia-timor-leste.pdf

